عبد الملك الخركوشي النيسابوري
453
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال ميمون بن مهران لجعفر بن برقان : ويحك يا جعفر إن أبناء الدّنيا باعوا الأديان من الدنيا بالقهوية والطيالسية ، فصارت خزانتهم بطونهم وظهورهم ، فقدموا على اللّه عزّ وجلّ مفاليس . وقال لقمان لابنه : يا بنى ، بع دنياك بآخرتك ، فتربحهما جميعا ، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا . وعن أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب عليه السلام قال : لا يدع الناس شيئا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح اللّه تعالى عليهم ما هو أضرّ لهم . وقال ذو النون المصري : المؤمن يخدع عن دنياه ولا يخدع عن دينه . والمنافق يخدع عن دينه ولا يخدع عن دنياه . وقيل : إن أكبر الآفات حب الدّنيا ، فإنك إن أحببتها أبغضتك ، وإن أعززتها أذلتك ، وإن أكرمتها أهانتك ، وإن خدمتها أتعبتك ، وإن أقبلت عليها أدبرت عنك ، حبها رأس الخطايا وأم المعاصي ، والزهد فيها أصل الخيرات وقطب الطاعات ، وإلى اللّه تعالى الرغبة في إكرامنا بالزهد فيها إنه مجيب الدعوات . ومر رجل بعامر بن عبد قيس وهو يأكل ملحا وبقلا ، فقال : يا عبد اللّه ، أرضيت من الدّنيا بهذا ، فقال : ألا أدلك على من رضى بأيسر من هذا ؟ قال : بلى ، قال : من رضى بالدنيا عوضا عن الآخرة . وقال أبو الدّرداء : لأنا أعرف بالناس من البيطار بالحمار ، أما خيارهم فالزاهدون فيها ، وأما شرارهم فمن أخذ من الدّنيا فوق ما يكفيه . وعن يحيى بن معاذ قال : الدنيا بلغ من شؤمها أن تمنّيك لما يلهيك عن طاعة اللّه تعالى ، فكيف الوقوع فيها . وعن بكر بن عبد اللّه قال : من أراد أن يستغنى عن الدّنيا بالدّنيا كان كمطفئ النّار بالتبن وبالحلفاء . وقال إبراهيم التيمىّ : كم بينكم وبين القوم ؟ أقبلت عليهم ففروا منها ، وأدبرت عنكم فاتبعتموها ! ! وقال عيسى عليه السلام : « يا طالب الدّنيا ليبر بها تركك لها أبرّ » .